الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
465
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
استفراغ للوسع في تحصيل الحكم الشرعي إلا أنه لا يعد اجتهادا في الاصطلاح وكذا فيما إذا بذل وسعه في تحصيل الاحتياط إذ المشهور فيما وجب عليه العمل بذلك وعن الرابع بأن المراد ببذل الوسع هو صرف النظر في التفتيش عن الأدلة إلى أن يحصل له الاطمئنان بتحصيل ما هو مقتضى الأدلة الموجودة بحيث يحسن من نفسه العجز عن تحصيل ما عدا ذلك مما يفيد خلاف ما استفاده فيكون ما أدى نظره إليه هو غايتها ما يمكنه الوصول إليه وذلك أنه يختلف حصوله بحسب اختلاف المسائل فربما يحصل بأدنى نظر في المسألة وقد يتوقف على فحص جديد وتجسس واف في الأدلة وتأمل تام في وجوه الاستنباط وطرق الاستدلال وليس المراد به أن يصرف ما يسعه من النظر والزمان في كل واحد واحد من المسائل إذ من المعلوم خلافه وفيه أنه لا يوافقه ظاهر التقرير المذكور فإن مفاد بذل الوسع في ذلك هو صرف الطاقة فيه على وجه لا يؤدي إلى الخروج وأين ذلك من التفسير المذكور إلا أن يقال إن بذل الوسع من المسائل إذ من المعلوم خلافه وفيه أنه لا يوافق الظاهر التقرير المذكور وأن مفاد بذل الوسع في ذلك هو معرف الطاقة فيه على وجه لا يؤدي إلى الخروج وأين ذلك من التفصيل المذكور إلا أن يقال إن بذل الوسع إنما يعتبر بالنسبة إلى مجموع المسائل التي يحتاج إلى استنباطها لا حصول كل مسألة وحينئذ فيكتفي في كل منها بما يحصل به الاطمئنان حسبما ذكر وهو أيضا لا يوافق ظاهر الحد حيث اعتبر فيه بذل الوسع بالنسبة إلى خصوص الأحكام وعن الخامس أن المطلوب عند المجتهد في المسائل الاجتهادية هو تحصيل الظن بالواقع إذ هو القائم مقام العلم بعد انسداد أسبابه غاية الأمر أنه مع عدم تحصيل الظن بالواقع وعجزه عن ذلك في مقام الاجتهاد ويرجع إلى أدلة الفقاهة فيندرج استفراغه المفروض في الحد المذكور لكونه في تحصيل الظن وإن لم يحصل له الظن إذ لم يعتبر في الحد حصوله فثمرة الاجتهاد فيما إذا حصل منه الظن بالحكم هو الأخذ به وهو كونه مكلفا بالعمل بمراده وفيما إذا عجز عن تحصيل الظن بالرجوع إلى أدلة الفقاهة عن الحكم بأصالة البراءة والاحتياط ونحوهما فظهر بذلك أن التوقف في المسألة لا ينافي الاجتهاد فيها كما توهمه بعضهم كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله ومنه يظهر الجواب عن السادس وأنت خبير بأن ذلك إنما يتجه في دفع هذا الإيراد وأما دفعه للرابع فيبتني على اعتبار الترتيب المذكور بأن يكون الواجب أولا عن المجتهد في المقام تحصيل الظن بالأحكام ثم بعد العجز عنه ينتقل إلى نقيضه بأدلة الفقاهة وهو في محل المنع بل الظاهر أن اللازم عليه هو الرجوع إلى الأدلة الشرعية وتحصيل ما يستفاد منها سواء أفادت الظن بالواقع أو لا وتقدم بعض الأدلة على بعض عند التعارض بينها لا يقضي بكون اللازم على المجتهد هو تحصيل تلك الأدلة في جميع الأحكام حتى يؤخذ بما يستفاد منها إذ قد يعلم من أول الأمر عدم قيام شيء منها في بعض المسائل فلا يكون استفراغه الوسع في تحصيلها أصلا مضافا إلى أن بعض الأدلة الاجتهادية قد لا يكون مفيدا للظن بالواقع أيضا كما مرت الإشارة إليه فلا يتم الجواب بوجوب بذل الفقيه وسعه في تحصيل الظن في كل مسألة وقد يقال في الجواب بأن الرجوع إلى أدلة الفقاهة أيضا إنما يفيد الظن في الغالب لا بملاحظة الواقع بل بالنظر إلى الحكم الذي يقتضيه الأدلة الموجودة فإن كون ما استنبطه فهو مفاد تلك الأدلة وأنه هو الحكم الظاهري المستفاد من الأدلة القائمة إنما يثبت عند المستنبط على سبيل الظن نظرا إلى احتمال حصول المعارض أو احتمال حصول سهو عنه في كيفية الاستنباط ونحو ذلك وعن السابع بالتزام خروج استنباط المسائل القطعية عن الاجتهاد واندراج العلم بها في الفقه لا يستدعي كونها اجتهادية إذ مسائل الفقه كما سبقت الإشارة إليه على قسمين قسم لم ينسد فيه سبيل القطع والأدلة القطعية قائمة على إثباتها فتلك المسائل ليست متعلقة للاجتهاد بحسب الاصطلاح ولذا ينقض حكم الحاكم مع خطائه فيها وقسم آخر مما انسد فيه سبيل العلم فأخذ فيه بالظن وهو الذي يتعلق به الاجتهاد ولا ينقض فيه حكم الحاكم ولو عدل عنه أو رجعوا فيه إلى حاكم آخر نعم لو اتفق حصول القطع للمجتهد في تلك المسائل بأن أداه النظر إلى ذلك أحيانا لم نخرج عن كونها اجتهادية وكون استفراغ وسعه في تحصيلها اجتهادا فقد يشكل الحال في الحد بالنظر إلى ذلك إلا أنه يمكن دفعه إذن بنحو ما مر من أن استفراغه الوسع في تلك المسألة إذا كان لتحصيل الظن حيث إن المتوقع فيها وإن اتفق له حصول القطع فيندرج في الحد إذ لم يعتبر فيه حصول الظن أيضا فكما يندرج فيه ما إذا استفرغ الوسع في تحصيل الظن فاتفق عجزه عن ذلك كذا يندرج فيه ما إذا اتفق له حصول الظن بالحكم كما يستفاد من غير واحد منهم استشكل الأمر في المقامين إلا أنه لا شاهد في ظاهره على اعتباره فلا إيراد عليه من جهته فظهر بما ذكرنا أن ما زعمه بعض الأفاضل من اتحاد متعلق الفقاهة والاجتهاد حيث جعل معرفة المسائل النظرية فقها وتحصيلها واستنباطها عن أدلتها اجتهادا سواء كانت قطعية أو ظنية ليس على ما ينبغي لخروجه عن ظاهر الاصطلاح حسبما ينادي به ملاحظة حدودهم في المقام ويعطيه ملاحظة استعمالاتهم حيث يجعلون المسائل الفقهية القطعية والظاهر أن الشهيد في المقام إنما نشأ من ملاحظة ما ذكروه في حد الفقه ولما زعم اتحاد متعلق الأمرين حكم بتعميم الاجتهاد للصورتين حيث أدى حكمهم بشمول الفقه لهما وقد وقع عكس ذلك لشيخنا رحمه الله حيث نص الفقه الظنيات وقطع بخروج القطعيات لما رأى من تخصيصهم الاجتهاد بالظنيات كما مرت الإشارة إليه في أول الكتاب وقد عرفت أن الحقّ اختلاف متعلق الأمرين وأن متعلق الاجتهاد أخص مطلقا من متعلقات الفقاهة كما هو ظاهر من ملاحظة إطلاقاتهم والرجوع إلى تحديداتهم في المقامين وعن الثامن أن الظاهر من الحكم الشرعي هو الفرعي كما هو المنساق من حده المعروف بل ربما يقال باختصاصه به بحسب الاصطلاح فتأمل وبنحو ذلك يجاب عن التاسع إذ المنساق من الحكم الشرعي هو الحكم الثابت من الشرع للأفعال من غير ملاحظة لخصوصيات الموضوعات وأما التمييز بينهما وإثبات الأحكام الخاصة لها حسبما يستكشف في القضاء فمما لا ينصرف إليه الإطلاق ثانيهما أن يؤخذ اسما غير مصدر وقد عرفه شيخنا البهائي بأنه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من الأصل فعلا أو قوة قريبة فيأخذ الملكة في الحد يخرج استنباط بعض الأحكام تعسفا من غير حصول ملكة أو تلقينا للأدلة من غيره بغير أن يكون له استقلال في الاستنباط وبأخذ القوة القريبة يدخل من له تلك الملكة من غير أن يستنبط بالفعل بل يحتاج إلى زمان إما لتعارض